|
الجمعة, 11 كانون الأول 2009 16:12 |
من مذكرات الأديب الراحل ( رضا صافي )
كانت الدار في تلك الليلة من ليالي الصيف شعلة من نور. أليس في باحتها فانوسان ، واحد في الدهليز عند الباب، وآخر يتدلى تياهاً من عريش الدالية التي تتوسط الباحة؟! أليس في كل من غرفتيها القبليتين أكثر من (مصباح كاز) وكلها من نمرة (4)؟! , ولم يكن ينقصها لتضاهي دور (الأكابر) إلا الثريا ذات المصباح ا لضخم من نمرة (20 أو 24).
على أنها كانت على موعد معها، فقد عقدت اجتماعات وجرت مداولات ! قبل أيام، لتتعاون العيلتان على توفير المبلغ اللازم لشراء تلك الثريا. ولم يكن أحد يقدر أن (السفر برلك ) سيحول دون تحقيق تلك الأمنية، وأن الدار ستبقى بدون ثريا حتى ينيرها فانوس (اللوكس ) أواخر العشرينات " ثم مصابيح الكهرباء في أواسط الثلاثينات.
وكان الطفل قد ارتدى , منذ الغروب( قنبازاً) نظيفاً، و لعله كان جديداً، وراح يتبختر في صحن الدار , ويجري وراء ابن عمّته اليافع حين يهرول لفتح الباب كلما طرق، ويتنحى عن طريق الداخلين حين يهرع أبوه وعمه لاستقبالهم والترحيب بهم، ثمّ يتطاول ليرى من خلال النوافذ المفتحة أولئك الضيوف يجلسون متربعين على الحشايا المفروشة في موازاة جدران الغرفة , تتوج رؤوسهم العمائم، بيضاً ومطرزة بـ (الأغباني)، وتملأ وجوههم اللحى كثّة طويلة لدى بعضهم ، وخفيفة قصيرة لدى الآخرين، فيضفي ذلك على مجلسهم ظلاً من وقار ينفذ إلى قلب الطفل فيشعر بالهيبة ويلتزم السكون والتؤدة في حركاته ومشيه في صحن الدار.
وكانوا كلما دخل عليهم داخل متقدم في السن أو المكانة نهضوا له احتراماً ووسعوا له مجلساً في صدر الغرفة , وبادلوه التحيات ثم استأنفوا ما كانوا فيه من حديث , حتى جاء ضيف بآخره فلما توسط صحن الدار، صاح بصوت جهوري : " يا لكم من مساكين ! تجتمعون هنا على هذا النور الخافت الذي يعشي العيون، والشمس مشرقة في باب السوق تمزّق جلابيب الظلام ! ". فيقبل عليه القوم يستوضحونه الخبر، فيذكر لهم أن ( قهوة الدروبي) قد أنيرت الليلة بمصابيح (الكهربائي) (1)، وأن نور الواحد منها يفوق نور مئة ثريا من نمرة (20). فيصح عزمهم على السعي لمشاهدة هذه (الكهربائيات).
وبعد أن يتلى فصل من (المولد) وتنشد بعض الأناشيد والقصائد النبويّة، ويتناول الضيوف مما قدم لهم من ( الرز بحليب)، يشرعون بمغادرة الدار متجهين إلى باب السوق.
ويرى الصغير أباه منطلقاً مع الضيوف , فيدنو منه يتمسح به يريد أن يذهب لرؤية ( الكهربائي) فلا يخيَب رجاؤه.
وهاهو الجمع يجتاز الزقاق إلي شارع (الحميدية)، وصاحب البشرى يتهكّم بفوانيس البلدية الشحيحة المعلّقة بالجدران، وينذرها بدنو أجلها، فقد جاءها (عزرائيل الكهربائيات ) .
ويبلغون ساحة باب السوق ، فيلفونها غاصة بجماهير الناس المتحلقين حول البحرة الكبيرة التي تتوسط تلك الساحة - في مكان دائرة شرطي السير عند الساعة القديمة اليوم- وأبصارهم جميعاً عالقة بقهوة الدروبي حيث نثر في سماء الرصيف العريض أمامها بضعة ( لوكسات) كانت في الحقيقة تمزّق جلابيب الظلام. وهم ينقلون أنظارهم بين تلك اللوكسات وبين الزبائن، الجالسين منهم على الحصر مستندين إلى كراسي القش الصغيرة، أو الملتفين حول المناضد التي بدأت تغزو المقاهي، فيلمحون في حركاتهم وعلى أسارير وجوههم ما يوحي بأنهم يشعرون الليلة بحياة جديدة تشيع في كياناتهم فتملؤها نشاطاً، وبروح جديد يجري في عروقهم فينعكس على الوجوه بهجةً وغبطةً وانشراحاً.
فهؤلاء لاعبو النرد، حين يحذف واحدهم (الزهر) ولا يضطر إلى الانحناء عليه ليرى أهو (شيش بيش أم هب يك ) يصفق بيديه فرحاً ويهتف بما لا يسمعون، وإن حزروا أنه يثني على النور الذي أراح ظهره من الانحناء وعينيه من التحديق . وأولئك الذين يدخنون النراجيل وهم معتمدون على الكراسي الصغيرة، يتأملون خيوط الدخان المتلوية كالأفاعي فوق رؤوس النراجيل بنشوة تشبه حلماً لذيذاً بين يدي فجر ندي ...
و غلمان المقهـى يطيرون بين الزبائن كسنونو الربيع منادين , بل مغردين، (تنباك ؟ ؟ . . نارا. . نارا.. لمين ميّ ؟ ) .
وصاحب المقهى متربع على عرشه، عيناه تعرضان المصابيح، ووجهة كله بسمة راضية ، و لسانه ( اسطوانة فونوغراف ) ما ينفك يديرها أمام أفواج خاصته من الزبائن الذين يأتونه مهنئين مباركين، تحكي لهم قصة جهوده وجهاده في سبيل تأمين (اللوكسات) .
وتتكاثف الجماهير حول البحرة وتتزاحم، وكلّما انسحب فوج خلفته أفواج، وأمارات العجب والدهشة بادية على وجوه الجميع، والتعليقات المتباينة دائرة على ألسنتهم: ( إي هه، ياحسرتي علينا كيف كنا عايشين ؟!) . . (ياليت سعره رخيص لأشتري واحد للدار ! ! ) . . (اصبر يا أخي- فقريباً يرخص القمر وينزل إلى أرض الدار ) . . . .
ويعود الصغير مع أبيه إلى البيت ، ويذكر أن في الجرائد التي يقرؤها أبوه صوراً كثيرة ( للكهربائيات) الاعلانات - فينام على موعد معها , فإذا أصبح بادر فقص أعداداً منها وألزقهـا بورق (المقوى ) الكرتون وراح يعلقها في جدران الغرف . . .
أتراه كان يرجو أن تشع وتنير ؟ ؟ من يدري؟ ! .
(1) هكذا كانوا يسمونه الكهربائي . وهناك من يقول أن أول ( لوكس ) أشعل كان في ( الجامع الكبير ) والطفل يذكر انه رأى عمالاً ينصبون أعمدة حديدية في طرف مصلى الجامع قيل له أنها ستحمل ( الكهربائيات ) وقد يكون الحادثان متزامنين . والمهم أن ذلك وقع قبل الحرب العالمية الأولى بسنة أو سنتين
|
|
آخر تحديث: الاثنين, 21 كانون الأول 2009 14:38 |